يرى كينيث روث، كاتب العمود في صحيفة «الجارديان» والباحث البارز في جامعة ييل والمدير التنفيذي السابق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، أن التناقض الصارخ بين الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع السعودية والمطالب النووية التي يفرضها على إيران كان سيبدو مثيرًا للسخرية لولا تداعياته المأساوية؛ إذ منح ترامب الرياض الخيارات النووية نفسها التي أقسم أن إيران لن تحصل عليها.
وبحسب ما نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، يبدو أن ترامب قدم للسعودية هذا الاتفاق السخي في محاولة لتعويضها عن حربه التي اختار خوضها مع إيران، بينما يواصل قصف الأراضي الإيرانية في مسعى لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يُغلق أصلًا قبل أن يشن ترامب حربه التي جاءت بنتائج عكسية.
اتفاق نووي يثير تساؤلات حول سياسة ترامب تجاه إيران
كرر ترامب، في أبريل الماضي، خلال حديثه عن إيران، أن «تخصيب اليورانيوم لن يحدث». واكتسب هذا الهدف أهمية أكبر بعدما انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي تفاوض عليه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، ما دفع إيران إلى زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم لتقترب من المستوى اللازم لصنع قنبلة نووية. وعندما بدأت إسرائيل والولايات المتحدة قصف إيران في يونيو 2025، منعت طهران أيضًا مفتشي الأمم المتحدة المستقلين من الوصول إليها.
أما ما عرضه ترامب على السعودية، فيشمل إمكانية تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستنفد بعد إجراء دراسة مشتركة، إلى جانب إمكانية منع المفتشين من دخول مواقع معينة قد تعتبرها السلطات السعودية مثيرة للشكوك. ويعني غياب المفتشين وجود عوائق محدودة أمام تحويل الحكومة السعودية برنامجًا نوويًا مدنيًا إلى برنامج سري لتطوير الأسلحة النووية، رغم أن السعودية، مثل إيران، دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وقال ولي العهد السعودي، في وقت سابق، إن بلاده ستطور سلاحًا نوويًا إذا فعلت إيران ذلك. ويأتي ذلك في وقت يقل فيه الاتفاق الذي أبرمه ترامب مع الرياض صرامةً بدرجة كبيرة عن الاتفاق الذي تفاوض عليه جورج دبليو بوش وباراك أوباما عام 2009 بشأن التعاون النووي مع الإمارات العربية المتحدة، حليفة السعودية وجارتها التي تحولت إلى منافس لها.
مليارات الدولارات وراء الاتفاق النووي السعودي
يصف ترامب نفسه بأنه أتقن «فن إبرام الصفقات»، لكن اتفاقه مع السعودية قد يقضي على أي فرصة للتوصل إلى اتفاق أكثر تقييدًا مع إيران. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من طهران التخلي عن امتلاك سلاح نووي، تمتلك إسرائيل أسلحة نووية بالفعل. كما يرى روث أن أي ادعاء بإمكانية الوثوق في تعامل إسرائيل بمسؤولية مع ترسانتها النووية يتناقض مع ما يصفه بسياساتها في غزة ولبنان، وهو ما يضع إيران أمام احتمال امتلاك خصمها السعودي قنبلة نووية أيضًا.
ويتساءل الكاتب عن أسباب موافقة ترامب على هذا الاتفاق، مرجحًا أن يكون المال قد لعب دورًا كبيرًا في ذلك. فقد يوفر الاتفاق عشرات المليارات من الدولارات لصناعة الطاقة النووية الأمريكية إذا باعت الولايات المتحدة مفاعلات نووية للسعودية. وبذلك، يرى روث أن المبدأ الذي قال ترامب إنه يستحق القتال من أجله قد يُتخلى عنه مقابل السعر المناسب.
ويرجح الكاتب أيضًا أن يكون ترامب ساعٍ إلى إعادة إحياء تحالف أضرت به حربه. فقد أبدى ترامب منذ فترة طويلة تعاطفًا مع ولي العهد السعودي، الذي يتمتع بنفوذ ملكي يرى الكاتب أن الرئيس الأمريكي يطمح إلى امتلاكه. وكما هو الحال مع دول عربية خليجية أخرى، نظرت السعودية إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا أمنيًا، بل سعت إلى إضفاء طابع رسمي على هذه الشراكة من خلال معاهدة.
لكن حرب ترامب جعلت هذا التحالف محفوفًا بالمخاطر. فبدلًا من أن تحمي الولايات المتحدة حلفاءها في المنطقة، وفرت الحرب ذريعة لإيران لمهاجمتهم، واستهدفت قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهم، وأحيانًا منشآتهم النفطية والبنية التحتية الأخرى.
تراجع الدور الإسرائيلي في الاتفاق وغياب مبررات الحرب
يرى روث أن الشيء الإيجابي الوحيد تقريبًا في ما يصفه بـ«تنازل ترامب للسعودية» هو أنه يعكس استمرار تراجع نفوذ إسرائيل في واشنطن. وكان إصدار سابق من الاتفاق النووي السعودي يشترط إقامة الحكومة السعودية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكن هذا الشرط اختفى من الاتفاق الحالي.
وقالت الرياض إن الاعتراف بإسرائيل غير مطروح من دون «مسار موثوق وغير قابل للتراجع نحو إقامة دولة فلسطينية»، بينما يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كل ما في وسعه لمنع تحقيق ذلك، بحسب الكاتب.
ومع تراجع المبررات النووية للحرب، بدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يشدد على أهمية سماح إيران بإعادة فتح مضيق هرمز. وذهب ترامب إلى حد التهديد بارتكاب جرائم حرب، من خلال قصف الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية، ردًا على كل هجوم إيراني في المضيق، رغم أن ارتكاب أحد طرفي الحرب جرائم حرب لا يبرر ارتكاب الطرف الآخر الجرائم نفسها.
ويشير الكاتب إلى أن المضيق كان مفتوحًا قبل حرب ترامب، وأن الحرب دفعت إيران إلى الرد بصورة غير مباشرة عبر إغلاقه. وفي الوقت نفسه، يسمح مذكرة التفاهم التي أبرمها ترامب مع إيران، بحسب روث، لطهران ضمنيًا بفرض رسوم بعد مرور 60 يومًا.
وبعبارة أخرى، يرى الكاتب أن المبرر الرئيسي المتبقي للحرب بات مرتبطًا بمسألة لم تكن مطروحة أصلًا قبل اندلاع حرب ترامب، في حين أن الاتفاق السعودي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي قضى فعليًا على أحد المبررات الرئيسية التي استند إليها في بدء الحرب.
ويضيف روث أن هناك عاملًا آخر يقف وراء استمرار القصف، يتمثل في سعي ترامب على ما يبدو إلى انتزاع تنازل يحفظ ماء الوجه من إيران، قبل أن يواجه الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي انتكاسة محتملة. لكنه يرى أن ذلك لا يشكل بأي حال سببًا كافيًا لمزيد من إراقة الدماء والدمار.
ويأتي الكشف عن الاتفاق السعودي في وقت تحاول فيه إدارة ترامب إقناع الكونجرس بتمويل حرب لا تحظى بشعبية، ولم يكن للكونجرس رأي في قرار شنها. ويقول وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث إن الحرب كلفت حتى الآن 37.5 مليار دولار، فيما يطالب بتوفير 67.1 مليار دولار إضافية لمواصلة الحرب.
ويختتم روث مقاله بالتأكيد على أن ترامب لا يستطيع تقديم مبررات مقنعة لحربه التي يصفها بأنها بلا جدوى، ولذلك ينبغي للكونجرس أن يرفض تمويلها. ويرى أن هذه الحرب ما كان ينبغي أن تبدأ أصلًا، وأن استمرارها لم يعد مبررًا بوضوح.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jul/23/trump-saudi-nuclear-deal

